مضيق هرمز بين الهدنة والتحديات.. تقرير يحذر من تهديد متواصل للممرات البحرية العالمية
تعد الممرات البحرية الاستراتيجية أحد الأعمدة الرئيسية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبرها نسبة ضخمة من تجارة الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب، ورغم الإعلان عن اتفاق سلام مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن ترتيبات لإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة، فإن التحديات الأمنية واللوجستية المرتبطة بالمضيق لا تزال قائمة وتثير مخاوف واسعة في الأوساط الاقتصادية والدولية.
وفي تقرير تحليلي صادر عن معهد «تشاتام هاوس»، حذّر الباحث نيتيا لاب من أن الأزمة الأخيرة كشفت هشاشة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مؤكدًا أن أي اضطرابات مستقبلية قد تمتد آثارها إلى مضيق باب المندب وقناة السويس، بما يهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية ويضغط على الاقتصاد الدولي بشكل مباشر.
ويشير التقرير إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز، رغم النص عليها ضمن الاتفاق الأمريكي الإيراني، لا تعني بالضرورة عودة الوضع إلى طبيعته بشكل فوري، إذ يتوقع أن تستغرق عملية إزالة الألغام والعوائق البحرية ما يصل إلى 30 يومًا، وهي عملية معقدة تتطلب دعمًا فنيًا ومراقبة دولية لضمان سلامة الملاحة.
كما يلفت التقرير إلى أن المخاطر لا تتوقف عند إزالة الألغام فقط، بل تشمل أيضًا الذخائر غير المنفجرة، إلى جانب غياب منظومة واضحة ومستقرة لإدارة حركة السفن، وهو ما يجعل عودة الاستقرار الكامل إلى المضيق أمرًا غير محسوم حتى الآن، في ظل استمرار حالة عدم اليقين حول مستقبل إدارة هذا الممر الحيوي.
وفي السياق ذاته، تشير البيانات إلى أن شركات التأمين البحري لم تخفض أقساطها بشكل ملموس حتى الآن، ما يعكس استمرار المخاوف من المخاطر الأمنية، بينما تترقب شركات الشحن العالمية مؤشرات أوضح حول مدى التزام الأطراف المعنية بتنفيذ بنود الاتفاق قبل العودة الكاملة لاستخدام المضيق.
ويحذر التقرير كذلك من أن فتح مضيق هرمز لا يلغي المخاطر الجيوسياسية، إذ تحتفظ إيران بقدرة على التأثير في حركة الملاحة أو التلويح بإغلاق المضيق مجددًا في حال تجدد التوترات، وهو ما قد ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتأمين البحري عالميًا.
وفي المقابل، يبرز مضيق باب المندب كمصدر تهديد موازٍ، في ظل استمرار القدرات العسكرية للحوثيين في اليمن، حيث أشار التقرير إلى تنفيذ هجمات استهدفت أكثر من 190 سفينة تجارية بين عامي 2024 و2025، ما أدى إلى اضطرابات كبيرة في حركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر.
وتؤكد التحليلات أن أي تعطيل متزامن للممرات البحرية الرئيسية، مثل هرمز وباب المندب، سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وزيادة أسعار الطاقة، فضلًا عن تأثيرات تضخمية قد تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، خاصة في الدول المستوردة للطاقة والغذاء.
كما يشير التقرير إلى أن المبادرات الأمنية الحالية تواجه تحديات هيكلية، كونها صُممت أساسًا لمكافحة القرصنة، وليس للتعامل مع تهديدات متطورة مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، وهو ما يفرض إعادة تقييم شاملة لمنظومة حماية الملاحة الدولية.
ويخلص التقرير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا من إدارة الأزمات إلى الاستعداد المسبق، عبر تعزيز البنية اللوجستية للموانئ وتوسيع نطاق التعاون الدولي في تبادل المعلومات وتقييم المخاطر، إلى جانب تطوير آليات إقليمية أكثر فاعلية للاستجابة للطوارئ البحرية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن مستقبل الممرات البحرية الاستراتيجية مرهون بتوازنات سياسية وأمنية شديدة الحساسية، وأن أي اضطراب جديد قد لا يقتصر تأثيره على منطقة بعينها، بل يمتد ليعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
